ابراهيم بن عمر البقاعي

10

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بين الظاهر والباطن ، ثم منزل التوراة والإنجيل المختفي فيه موضع التقاء ظاهر التوراة بباطن الإنجيل انتهى . ومناسبة ابتدائها بالتوحيد لما في أثنائها أنه لما كان خلق عيسى عليه الصلاة والسّلام من أنثى فقط وهي أدنى أسباب النماء كان وجوده إشارة إلى أن الزيادة قد انتهت ، وأن الخلق أخذ في النقصان ، وهذا العالم أشرف على الزوال ، فلم يأت بعده من قومه نبي بل كان خاتم أنبياء بني إسرائيل ، وكان هذا النبي الذي أتى بعده من غير قومه خاتم الأنبياء مطلقا ، وكان مبعوثا مع نفس الساعة ، وكان نزوله هو في آخر الزمان علما على الساعة ، وصدرت هذه السورة التي نزل كثير منها بسببه بالوحدانية إشارة إلى أن الوارث قد دنا زمان إرثه ، وأن يكون - ولا شيء معه - كما كان ، وأن الحين الذي يتمحض فيه تفرد الواحد قد حان ، والآن الذي يقول فيه سبحانه له الملك اليوم قد آن ؛ ويوضح ذلك أنه لما كان آدم عليه الصلاة والسّلام مخلوقا من التراب الذي هو أمتن أسباب النماء ، وهو غالب على كل ما جاوره ، وكانت الأنثى مخلوقة من آدم الذي هو الذكر وهو أقوى سببي التناسل كان ذلك إشارة إلى كثرة الخلائق ونمائهم وازديادهم ، فصدر أول سورة ذكر فيها خلقه وابتداء أمره بالكتاب إشارة إلى أن ما يشير إليه ذكره من تكثر الخلائق وانتشار الأمم والطوائف داع إلى إنزال الشرائع وإرسال الرسل بالأحكام والدلائل ، فالمعنى أن آدم عليه الصلاة والسّلام لما كان منه الابتداء وعيسى عليه الصلاة والسّلام لما كان دليلا على الانتهاء اقتضت الحكمة أن يكون كل منهما مما كان منه ، وأن تصدر سورة كل بما صدرت به - واللّه سبحانه وتعالى الموفق . وقال ابن الزبير ما حاصله : إن اتصالها بسورة البقرة - واللّه سبحانه وتعالى أعلم - من جهات : إحداها ما تبين في صدر السورة مما هو إحالة على ما ضمن في سورة البقرة بأسرها ، ثانيها الإشارة في صدر السورة أيضا إلى أن الصراط المستقيم قد تبين شأنه لمن تقدم في كتبهم ، فإن هذا الكتاب جاء مصدقا لما نزل نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ، فهو بيان لحال الكتاب الذي هو هدى للمتقين ، ولما بين افتراق الأمم بحسب السابقة إلى أصناف ثلاثة ، وذكر من تعنت بني إسرائيل وتوقفهم ما تقدم أخبر سبحانه وتعالى هنا أنه أنزل عليهم التوراة ، وأنزل بعدها الإنجيل ، وأن كل ذلك هدى لمن وفق ، إعلاما منه سبحانه وتعالى لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن من تقدمهم قد بين لهم وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] ؛ والثالثة قصة عيسى عليه الصلاة والسّلام وابتداء أمره من غير أب والاعتبار به نظير الاعتبار بآدم عليه الصلاة والسّلام ولهذا أشار قوله سبحانه وتعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [ آل عمران 59 ] - انتهى .